مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )
341
تفسير مقتنيات الدرر
والَّذي أوجب لصاحب الكشّاف هذا القول قوله تعالى : « هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّه ُ » « 1 » والحال أنّه حكى اللَّه هذه الآية عن أقوام وهم اليهود ، وإسناد الفعل إلى اللَّه غلط . انتهى . قوله : * ( [ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ ] ) * إخبار من اللَّه بأنّهم قسمان : أشقياؤهم المستحقّون للعقاب ، وسعداؤهم المستحقّون للثواب والشقيّ من شقي بسوء عمله في معصية اللَّه ، والسعيد من سعد بحسن عمله في طاعة اللَّه . والضمير في قوله : « فمنهم » راجع إلى المجتمعين من الناس والمكلَّفين . وقيل : راجع إلى النفس والمعنى واحد . * ( [ فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا ] ) * باستحقاقهم العذاب داخلون في النار ، وأمّا ما روي عنه صلى اللَّه عليه وآله أنّه قال : « الشقيّ من شقي في بطن امّه والسعيد سعيد » فإنّ المراد بذلك أنّ المعلوم من حاله أنّه سيشقى بارتكاب القبائح الَّتي تؤدّيه إلى النار كما في السعيد ، كما يقال لابن الشيخ الهرم : إنّه يتيم أي سييتم . قوله : * ( [ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ ] ) * « الزفير » و « الشهيق » أصوات المكروبين المحزونين و « الزفير » من شديد الأنين بمنزلة ابتداء صوت الحمار . و « الشهيق » الأنين المرتفع جدّا بمنزلة آخر صوت الحمار . وعلى قول الأطبّاء الزفير استدخال الهواء الكثير والشهيق استخراج الهواء الكثير عند انحصار الطبيعة . عن ابن عبّاس : يريد ندامة ونفسا عاليا وبكاء لا ينقطع * ( [ خالِدِينَ فِيها ] ) * في النار * ( [ ما دامَتِ السَّماواتُ وَالأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ ] ) * . اختلف العلماء في تأويل هاتين الفقرتين - وهما من المواضع المشكلة في القرآن - فيه من وجهين أحدهما : تحديد الخلود بمدّة دوام السماوات والأرض ، والآخر معنى الاستثناء بقوله : « إلَّا ما شاء ربّك » فالأوّل فيه أقوال : أحدها أنّ المراد ما دامت السماوات والأرض مبدّلتين أي ما دامت سماء الآخرة وأرضها وهما لا ينفيان إذا أعيدا بعد الإفناء . وثانيها أنّ المراد ما دامت سماوات الجنّة والنار وأرضهما وكلّ ما علاك فأظلَّك فهو سماء وكلَّما أقلَّك واستقرّ عليه قدمك فهو أرض وهذا قريب من قول الأوّل .
--> ( 1 ) البقرة : 206 .